الجمعة 14/أغسطس/2020مالساعة 14:15(القدس)

  • فيسبوك Facebook
  • تويتر Twitter
  • يوتيوب Youtube
  • قوقل + Google
  • أر أر أس Rss
  • سكايبي Skype
صحيفة الوطن الفلسطينية

في نعي طفل فلسطيني من المخيم

تاريخ النشر: 01/08/2020 [ 08:25 ]
  • انشر الخبر عبر:
عبدالهادي راجي المجالي

توفي طفل عمره (5) سنوات في مخيم البقعة على خلفية تناوله (الشاورما)، بمعنى آخر قتلته (ساندويشة شاورما)، لو أعرف أين سيدفن لذهبت في الجنازة، ولقمت بتقديم واجب العزاء لأهله، وقمت أيضا بمواساة والده.. فمن المؤكد أنه كان أمس يلهو في حضنه، واليوم بين تربة المخيم يرقد في مستقره الأخير.



في المخيم حين يموت الفلسطيني، يدفن في القلب.. قبل أن يدفن في التراب، وقد تذكرت قصيدة قديمة لمظفر النواب، يتحدث فيها عن رفض حارس مقبرة دفن طفل فلسطيني من غزة، في أطراف عاصمة شقيقة، قبل إحضار تصريح من البلدية، فالموت هنالك يحتاج لتصريح... ثم يختم مظفر القصيدة بالقول: (يا أرض غزة فاسترديهم لئلا مقاديرهم تستفز).



هل كان هذا الطفل يتحدث جيدا، أظن أنه في عمر (5) سنوات، يكون قد أتقن النطق والبكاء والحب والتعلق بأمه، وربما كان يجهز لدخول الصف الأول الابتدائي هذا العام.. وهناك في المخيمات المبنية على سفوح الجبال، وسفوح الصبر... يتعلم الأطفال نطق اسم فلسطين ويتعلمون رسم خارطتها، ويحفظون شكل المسجد الأقصى، ويتعلمون التعلق في الاباء يوم الجمعة، للذهاب معهم إلى الصلاة.

لقد شاهدتهم في أحد زوايا مسجد بالمخيم، يفترشون ركنا.. ويتهامسون، البقعة ليست مثل كل المدن.. مختلفة قليلا فالله موجود في وجوه الأطفال، وفي الصبر.. وموجود في كل رشفة ماء، ولقمة طعام. في كل انحناءة لكف أم خرجت وتنتظر العودة، وفي دمعة كل عجوز... تحن لجنين أو طوباس أو الكرمل.



نم أيها الصغير بحفظ الله، هذا عالم الكورونا تقتلنا فيه، وإسرائيل تقتلنا.. وأميركا، وصراعاتنا... والقبائل التي تحارب القبائل، والطوائف التي تحارب الطوائف.. والسيف الذي يحارب الرقاب... ووصلنا لمرحلة أصبحت فيها (الشاورما) أيضا قاتلة! ماذا تبقى يا صغيري في هذا العالم المجنون حين تتحول فيه وجبات الطعام، لوسائل اغتيال دقيقة الحساسية؟



نم أيها الصغير بحفظ الله، وأنا لن أحمل أحدا المسؤولية... لكن اسمح لي أن أعزي فلسطين بك أيضا، ونخبر زيتونات نبتت على أطراف (طولكرم) أن المخيم فقد طفلا، ولكن هنالك الألوف في الأرحام ينتظرون بزوغ الحياة عليهم، وأن نطمأنها أيضا.. أن الموت مهما تعددت أدواته وأشكاله إلا أن للفلسطيني حياة واحدة لا تتغير... وكنت أتمنى أن تكبر , وتقرأ غسان كنفاني.. وتعرف أن من يملك قضية بحجم الكون.. يملك أشكالا متعددة لفنون الموت.

كنت أتمنى أن تعرف عن الفلسطيني الذي صهر على الحدود، بفعل الحر .. حين اختبأ داخل صفيح خزان ... وكنت أتمنى، أن تعرف كيف أجهز (إيهود باراك ).. على (دلال المغربي) بنت الـ( 19).. كنت أتمنى أن تقرأ، عن الجديلة الفلسطينية التي هزمت جيشا.. كنت أتمنى أن تكبر ولو قليلا، وتعرف عن غزة... وأحمد ياسين، وتقرأ عن الثورة.. ومحمود درويش. محمود لم يكن يكتب قصائد وطنية، بل كان يعبئ مخازن الرصاص... بالتفعيلات وبحور الشعر.. وعلم الدنيا أن القصيدة لا تختلف أبدا عن القذيفة، غير أن القذيفة تنتهي لحظة الإنفجار... والشعر في فلسطين يبقى كل يوم يفجر الذاكرة... بألف شكل للمقاومة والصمود.



نم يا حبيبي بحفظ الله، لقد أوجعني رحيلك جدا.. والقلم لا يستفز إلا لأمر جلل.. وتأكد يا ابن فلسطين، إنك حين تدفن... وتوضع في التراب، ستقرأ لك الحساسين التي تعبر.. بعضا الزقزقات وتذكر المدى بك، تأكد أن زيتا سرى من الخليل.. عبر مسار سري إلى البقعة.. وتسلل في حواف قبرك، وأنار لك قنديلا... كي يزيل عنك عتمة الموت، وتأكد أن أشعار درويش ستزورك، وتنعاك بما يليق بمقامك العظيم، وتأكد أنك لن تبقى طفلا في قبرك... بل ستكبر، كل يوم ستكبر، وستعرف أن الفلسطيني وإن تعددت لديه أشكال الموت، إلا أن الحياة لها عنده شكل واحد.. وهو: فلسطين أو فلسطين...



رحمك الله .

كلمات مفتاحية:

» اقرأ ايضاً

تعليقات الموقع
تعليقات الفيسبوك
» التعليقـات
عدد التعليقات: 0
» هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
ادخل الرمز الامني*
الوطن الآن