صحيفة الوطن الفلسطينية

في ذكرى النكبة ..‏ ‏ المعركة معركة رواية وارادات ‏

تاريخ النشر: 17 مايو, 2022 03:59 مساءً
  • انشر الخبر عبر:
د. كمال الحسيني

يحيي الشعب الفلسطيني هذه الأيام الذكرى الأليمة التي أحلت به عام 1948 بفعل جرائم العصابات ‏الصهيونية الوحشية، وما ارتكبته من مجازر مروعة بحق العرب الفلسطينيين، والذاكرة الفلسطينية ‏مازالت تستعيد فصول النكبة منذ عام 1948 والتي قامت فيها الحركة الصهيونية وعصاباتها الفاشية ‏بارتكاب المجازر الجماعية، واقتلعت وطردت وشردت شعباً بأكمله من أرضه ووطنه، في أبشع جريمة ‏تطهير عرقي عرفها التاريخ الحديث، والتي ما زال شعب فلسطين يعيش آثارها ويتجرع مرارتها حتى ‏يومنا هذا، داخل مخيمات الوطن وفي مخيمات اللجوء والشتات بعيداً عن أرض وطننا فلسطين .‏
إنها ذكرى النكبة، ذكرى المأساة الإنسانية الكبرى التي يندى لها جبين العالم الذي يدعي الديمقراطية ‏وحقوق الإنسان، حيث اقتلع شعب من أرضه ليحل محله محتلون صهاينة لا حق لهم بالوجود على ‏أرض فلسطين بحكم التاريخ.‏
تأتي ذكرى النكبة هذا العام في ظل تواصل جرائم الاحتلال الإسرائيلي واستمرار مخططاته الهادفة ‏لتصفية القضية الفلسطينية، ومحاولاته تقويض فكرة قيام الدولة الفلسطينية المستقلة بدعم مباشر من ‏الإدارة الأمريكية التي انتقلت من دور المنحاز إلى دور الشريك مع الاحتلال، عبر مسلسل من ‏الإجراءات والممارسات العدوانية والحصار المالي والخنق الاقتصادي، ومحاولات تصفية القضية ‏الفلسطينية من خلال التنصل من قرارات الشرعية الدولية، في إطار الحرب الشاملة التي يشنها ‏الاحتلال على شعبنا، من قتل وحصار واعتقال ونهب للأرض والاستيطان واستمرار سياسة الطرد ‏والتهجير، في ظل نوايا ومنطلقات حكومة الاحتلال التي يتضح من برنامجها ذلك الوجه العدواني ‏والعنصري لها، في ظل قوانينهم العنصرية وإجراءاتهم المتطرفة والعدوانية، ومخططات الضم التي ‏تحظى بالدعم الأمريكي، وتواصل النهج الاحتلالي العنصري فيما يسمى بقانون " المواطنة " و" الولاء ‏للدولة اليهودية " وقانون " النكبة " الذي يستهدف أبناء شعبنا في الداخل وثقافتهم الوطنية وانتمائهم ‏الفلسطيني الأصيل، إلى جانب التصعيد الإسرائيلي الهمجي على شعبنا ومواصلة انتهاج النوايا الحقيقية ‏للاحتلال الذي يسعى لتفريغ الأرض الفلسطينية من سكانها الأصليين وتوسيع المستوطنات استكمالاً ‏لفصول النكبة التي حلت بشعبنا عام 1948 ومحاولة قطع الطريق أمام قيام الدولة الفلسطينية على ‏حدود الرابع من حزيران 1967.‏
إن هذه المأساة مازالت صفحاتها شاهدة على جرائم ومجازر الاحتلال وعصاباته الفاشية المتطرفة التي ‏ارتكبت جرائم منظمة في ذلك الوقت بحماية ودعم وإسناد سلطة وقوات الانتداب البريطاني، فبريطانيا ‏التي تدعي الديمقراطية وحقوق الإنسان والتحضر والمدنية هي السبب المباشر في نكبة الشعب ‏الفلسطيني نتيجة ذلك الوعد المشؤوم من قبل وزير خارجيتها والذي عرف باسم " وعد بلفور " !!‏
في هذه الذكرى الأليمة، وبعد أربعة وسبعين عاماً عليها ، علينا أن نواصل التحرك على كل المستويات ‏لإلزام بريطانيا بالاعتذار للشعب الفلسطيني والتكفير عن تلك الجريمة التي مازالت شاخصة أمامنا ‏كجريمة بحق الإنسانية، وكنوع من أنواع التطهير العرقي، وعلى العالم، كل العالم أن يقف أمام ‏مسؤوليته لإجبار الاحتلال الإسرائيلي على الامتثال لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية ‏الفلسطينية .‏
ان ذكرى النكبة ليست مجرد ذكرى عابرة في تاريخ الشعب الفلسطيني وعلى المؤسسات والقوى ‏الفلسطينية كافة أن يكون على جدول أعمالها ما يفيد هذه القضية وما يعزز من مكانة الثوابت الوطنية ‏وترسيخها كثقافة وطنية لكل الأجيال الفلسطينية، وتوريث حق العودة جيلاً بعد جيل إلى أن يتحقق هذا ‏الحق الثابت الذي يشكل رأس الثوابت الوطنية وجوهر وأساس القضية الفلسطينية .‏
ولا يختلف الفلسطينيون، الذين اقتلعوا من أرضهم، عن غيرهم من البشر، ولهذا سعت الكتابة الروائية ‏والأعمال الكتابية والفنية التي وضعت النكبة أمام عين الحقيقة، إلى تأثيث معمارها الفني بالشخصيات ‏والأحداث اليومية، بما ينسجم مع المادة التاريخية المكتوبة أو الشفوية المروية على لسان الفلسطينيين ‏الذين عاشوا في تلك المراحل التاريخية التي سبقت النكبة، وقد استطاعت الرواية الفلسطينية، وبعض ‏الروايات العربية المكتوبة عن فلسطين، أن تستعيد الحياة المتدفقة في مدن فلسطين وقراها، في سردية ‏مضادة للمقولة الصهيونية التي تتحدث عن أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وكافة المزاعم والأكاذيب ‏الصهيونية الأخرى القائمة على أسس كاذبة، فما هم الا عابرون في كلام عابر.‏
لمواجهة فصول النكبة وتداعياتها المستمرة وحفاظاً على تاريخ ورواية شعبنا فان معركة الرواية مهمة ‏على صعيد مجابهة رواية الآخر/ النقيض ودحضها، وهذا يتطلب من المؤرخين والباحثين والكتّاب ‏العرب والفلسطينيين أن يسهموا بشكل متواصل في جمع وتوثيق الرواية ونشرها والاهتمام بالتاريخ ‏الشفوي الذي يتعلق بمجازر الطرد والتشريع والجرائم المروعة التي ارتكبت هنا وهناك، لتبقى الرواية ‏الفلسطينية حيّة وحاضرة وعنيدة أمام كل محاولات التشويه والتزوير، ومحاولات التسلل لفرض ‏روايات مشوهة والتطبيع مع الاحتلال كما نرى على شاشات بعض العرب . ‏
وحتى أيامنا هذه، يقف 64 مخيماً فلسطينياً شاهداً على النكبة، التي حّلت بالشعب الفلسطيني سنة ‏‏1948، عندما اقتلعت العصابات الصهيونية أكثر من 57% من شعب فلسطين من أرضه، ومن هذه ‏المخيمات هناك 58 مخيماً مسجلة رسمياً لدى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، تتوزع على ‏‏19 مخيماً في الضفة الغربية، وثمانية مخيمات في قطاع غزة، وعشرة في الأردن، وتسعة في سوريا، ‏و12 في لبنان، وهناك ثلاثة مخيمات في الأردن، وثلاثة أخرى في سوريا غير معترف بها لدى ‏الأونروا، كما أن هناك أربعة مخيمات كانت قائمة في لبنان تمّ تدمير ثلاثة منها، بينما تم نقل سكان ‏الرابع وإغلاقه.‏
ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا حالياً نحو خمسة ملايين و400 ألف لاجئ، ‏غير أن هؤلاء ليسوا كل اللاجئين الفلسطينيين؛ فالكثير من الفلسطينيين رفض التسجيل لدى الأونروا ‏لاستغنائه عن خدماتها، كما أن الكثير من الفلسطينيين لم يسجلوا أنفسهم لإقامتهم خارج مناطق عمل ‏الأونروا التي تنحصر في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن وسوريا ولبنان.‏
أما عدد اللاجئين الحقيقي فهو يصل إلى نحو ثمانية ملايين و490 ألفا يمثلون نحو 66.8% من مجموع ‏الشعب الفلسطيني البالغ 12 مليونا و700 ألف نسمة؛ إذ أضيفت إلى لاجئي 1948 أعداد كبيرة من ‏أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة "النازحين" المقيمين خارج فلسطين التاريخية وغير القادرين على ‏العودة إلى بيوتهم، كما أن هناك نحو 150 ألفا ممن هُجِّروا من أرضهم، ولكنهم ظلوا مقيمين في مناطق ‏فلسطين المحتلة 1948.‏
ومن قلب هذه المعاناة وفي ظل هذه التحديات الجسام التي تواجه شعبنا وقضيتنا الوطنية، انبثقت ‏مؤسسة سيدة الأرض لتكون لها رؤيتها ورسالتها الوطنية والثقافية الثابتة والثاقبة والواثقة، وأن تتحمل ‏مسؤوليتها كمؤسسة وطنية في فضح وتعرية كافة المشاريع المشبوهة والتحريفية التي تستهدف النيل ‏من روايتنا ومن هويتنا الثقافية ومن ذاكرتنا الجماعية، حيث أسهمت مؤسستنا وعلى مدار خمسة عشر ‏عاماً في نشر الثقافة الفلسطينية وفي اعادة احياء التراث والفلكور الفلسطيني والقيام بفعاليات متنوعة ‏ومهرجات كبيرة ومؤثرة على كافة المستويات الفلسطينية والعربية والدولية، حيث شقت سيدة الأرض ‏طريقها باختلاف كبير وبرؤية واثقة الخطى ببوصلة وطنية ترسم طريق الحرية واعلاء راية الهوية ‏الحضارية والثقافية والانسانية للشعب العربي الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.‏
تمر ذكرى وراء ذكرى وكل ذكرى لها ذكريات، وستبقى ذكرى النكبة ذكرى الوجع الأكبر، ذكرى " ‏التغريبة الفلسطينية " المستمرة إلى أن يعود اللاجئون إلى الديار لتطوى هذه الصفحة، وتكون مجرد ‏ذكرى في السفر الفلسطيني وفي متحف التاريخ .‏
سنواصل في مؤسسة سيدة الأرض نضالنا المشترك مع شعبنا، لترسيخ مكانة حق العودة للاجئين، ‏وابراز الوجه الحضاري لشعبنا، ومطالبتنا للعالم ليقف الى جانبنا لتطبيق القرار 194 بما يضمن عودة ‏اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم التي شردوا منها، ولن نتخلى عن مسؤوليتنا الوطنية وسنكون رأس ‏الرمح دائماً، وسنجعل من فعالياتنا الثقافية والفنية قنطرةً في مسيرة العودة ولن نكل ولن نلين، وستبقى ‏رايتنا خفاقة على قمة أُحد ثقافتنا الوطنية، وسنبقى نردد مع شعبنا: اما العودة واما العودة.‏

• الرئيس التنفيذي لمؤسسة سيدة الأرض ‏

» اقرأ ايضاً

الوطن الأن
شهداء الوطن
أسرى الوطن
ذاكرة الوطن
أكاديمية الوطن
مجلة الوطن