صحيفة الوطن الفلسطينية

الأسير المريض ناصر أبو حميد كلمات الى الوقت الآخر

تاريخ النشر: 26 سبتمبر, 2022 10:18 صباحاً
  • انشر الخبر عبر:
عيسى قراقع

كتب الأسير المريض بالسرطان ناصر أبو حميد رسالة موجهة الى الشعب الفلسطيني من خلال عائلته التي سمح لها بزيارته يوم 15-9-2022 في مستشفى سجن الرملة الإسرائيلي: أنا مؤمن بقضاء الله وقدره، ومؤمن بالطريق الذي اخترته، وأن عزائي الأكبر وأنا أتابع الوقفات الجماهرية من ابناء شعبي المقاوم ضد الاحتلال الظالم، انا ذاهب الى نهاية الطريق، ولكن مطمئن وواثق بأنني أولا فلسطيني وأنا افتخر، تاركا خلفي شعبا عظيما لا ينسى قضيتي وقضية الأسرى، وانحني اجلالا واكبارا لكل أبناء شعبنا الفلسطيني الصابر، مش زعلان من نهاية الطريق لأنه في نهاية الطريق انا بودع شعب بطل عظيم، حتى التحق بقافلة شهداء فلسطين، وجزء كبير منهم رفاق دربي وأنا سعيد بلقائهم.
لا أصدق أن العالم قرأ كلمات الأسير أبو حميد دون أن يرتعش ويبحث في الكلمات عن قيود مرئية وقيود غير مرئية تلتف على المسائل الأخلاقية والإنسانية والقيمية وبكل اللغات والأساليب والمفاهيم ليصبح كل العالم سجنا أوله في فلسطين وآخره في فوضى المعايير الدولية المزدوجة التي تنتهك قداسة الإنسان وحقه في الحياة.
تمنيت أن تقرأ هذه الكلمات من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، لعل ذلك يشعر المؤتمرون أن الحرب في بيوتهم وأن عقولهم تتعرض للمداهمة، الطاغية في كل مكان، الإرهابي ابن غفير في الأمم المتحدة، قوات القمع تقتحم الأروقة والقرارات وتفرغها من المعنى ومن غبار المستوطنة.
لا أصدق أن الرسالة لم تصل ليرفع العالم رأسه وينظر الى السماء ليرى كل الشعب الفلسطيني يصعد يوميا إلى الأعلى مضرجا بدمه ومحمولا على قيوده حتى يكاد الغيم يختفي في ملابس الشهداء، فمن الأرض إلى السماء شعب يفتش عن الشمس بين الأشلاء.
لا أصدق أن كل مقولات ونصوص ومبادئ حقوق الإنسان والشرعيات الدولية العديدة لم تفتح باب سجن، وأمام الطغيان تفقد وهجها وتتناثر في الفراغ، فكيف إذا يتصرف المنظرون والمبدعون والقانونيون مع اقوالهم وقناعاتهم عندما تولد تلك الأقوال ميتة بلا حس ولا هواء.
الأسير ناصر أبو حميد يتجرع الموت رويدا رويدا نيابة عنا حتى امتلأت روحه بمرض السرطان، لا يزال ينتظر صوت الرعد في شهيق الجدران، وقد ادرك أنه لن يعود الينا، سيطير أعلى منا، فوقنا، الضوء السماوي يحميه ويحمله ويشفيه ويحرره حتى الامتلاء، وكان عليه أن يحرق الورد في دمه كي نصدق أننا في جنازة متكررة نردد ذات الصوت، وكان عليه أن يشعل عظامه حتى ينفجر البرق في سكون الصمت وجنون الابتلاء.
رفض الأسير ناصر أبو حميد أن يطلب العفو أو الرحمة من رئيس دولة الاحتلال بعد ان وسوس البعض بهذا المقترح حتى يعود الى البيت ولو بضع ساعات، نهض عن كرسيه المتحرك غاضبا ليقول لنا: من علمكم سياسة طلب الشفقة من القتلة والأعداء؟ من أغلق عقولكم بكل هذه الأقفال؟ الموت في السجن حرية، السجان يموت وأنا أحيا، هو المقتول وأنا الباقي طوال الوقت.
أمام رسالة ناصر أبو حميد بدأت أقتنع أن التاريخ يولد في السجن أو في الخندق، وأن لم يكن كذلك أين يولد؟ الشعوب التي لم تتجرع حريتها بدمها تحولت الى شعوب بلاستيكية، اسألوا اليسوع الفلسطيني وتعاليمه قبل الصلب وبعد الصلب، تحرير الإرادة رسالة ثورية كونية، وما بين الألم والدم يكون البعث والنشور والخلق والتكوين وانبثاق الحياة من الموت.
روزنامة الأسير ناصر أبو حميد غير مرتبطة بحركة الشمس والقمر أو بالحسابات الهجرية والميلادية، روزنامة أخرى لم يكتشفها المؤرخون والمختصون في أنظمة الوقت، الأيام والسنوات لها رائحة بشرية يحركها الدم في القلب، قلب الأسير هو ساعته الزمنية التي تحدد موعد الزلازل والفيضان، الشتاء والصيف ومجرى النهر، اللقاحات والانتفاضات والمواليد خارج المكان والزمان والمؤبدات وسياسة القهر.
الأسير ناصر أبو حميد زاره الفلاسفة أكثر من مرة، ربما الفلاسفة كانوا أيضا سجناء، لازالوا يبحثون عن العلاقة بين الوجود ماديا والوجود روحيا، ولم يتوصلوا الى آخر الأشياء، وربما أدركوا أن الإرادة كيان مستقل وهي أصل الحضارات والهويات والثقافات والمعجزات ولازالوا يكتشفون فلسطين كل يوم وعيا وادراكا لتكون الحرية أول البدايات وآخر النهايات.
كتب ناصر أبو حميد رسالته الى الوقت الآخر قائلا: آتيك بعد حين أو قليل، جسدي يمحى ولكن صورتي باقية، لعلي أكون مجازا أو أغنية، حجرا في يد طفلة وابتسامة سنبلة.
آتيك مرتديا كل ملابسي، كوفيتي، سلاحي، ذكرياتي وذاكرتي، مكتملا ومستعدا للموت مرة أخرى، أعانق روحي في آخر الأبد، ومستعدا أن أموت أكثر اذا تنفست رئة الوطن في جسدي وفي جميع الأمكنة.
آتيك معطرا برائحة رفاقي في عيادة سجن الرملة، النزلاء في هذه المقبرة، الأرجل المبتورة والأيادي المقطوعة والجروح المفتوحة والاجسام المشلولة، الإبر والبرابيش، والعكازات والمسكنات والدم وشظايا الرصاص ورائحة الأدوية، الموت والارتعاشات والانتظار والأعراس بين الزغرودة في الحياة الدنيا والآخرة.
آتيك أيها الوقت الآخر، الحقيقة واحدة وان تعددت السجون والخطابات والاستعارات المحمولة على غموض الأسئلة، هناك فرق بين السلام العادل والسلام الذي يشبه المجزرة، قولوا شيئا أيها الناس للفقراء الذين ينتظرون الخبز قبل نهاية السنة، قولوا شيئا لجدلية الموت في صيرورتها المتحولة.
آتيك أيها الوقت الآخر، اواصل الحلم في حضن أمي لتكتمل العودة ويختفي الليل من روحي والمخيم، فالأسير له حلمان وجسمان وروحان ولا يفنى بفناء الجسد، الإنسان لا يموت في الإنسان، يعود من الماضي الى الحاضر الى القادم في المخيلة، فلا تموتوا أيها الناس إلا في طريق الموت الذي تأخذكم اليه الحرية.
الأسير ناصر أبو حميد يكتب للوقت الآخر، للمتمردين الذين لا يأكلون بأيدي غيرهم، لا يرون الأشياء من عيون الآخرين، لا يرددون النصوص التي تكتبها جنازير الدبابات في الحقول، للواضحين ثقافة وفكرا وصلابة وكينونة ويوصلون خيط الدم بخيط العاصفة.
الأسير ناصر أبو حميد يكتب للوقت الآخر، ما بعد الموت، للهوية الإنسانية، لأجيال تفلت من القيد ومن التكرار الممجوج في كلمات محروقة تصعد من هذه المدخنة، أجيال فاعلة متمردة في لغة الممارسة، أجيال تفاجئ لا تنتظر الغد بل تبتكره، تهجم وتقتحم وترفض أن تكون هامشا في كل جملة أو كلمة.
الأسير ناصر أبو حميد يرى الوقت الآخر بعين مختلفة، إنها صحوة الموت التي توقظ الأحياء الميتين، إعادة النظر في اليد التي لا تزرع شجرة، تحطيم الوهم الذي يرى في الحظيرة المسيجة دولة حرة، الانتباه الى الوحش الذي يفترس الوحدة الوطنية والصلاة في القدس، التفريق بين الثورة والوظيفة، اللغو واللغة، النظام والمواطنة، خلع الجدار الفاصل من الوعي والمفاصل وقبول الأمر الواقع، إعادة تنظيم الطرق والأساليب والقيم التي أصبحت ملتبسة ترتدي الأقنعة.
الأسير ناصر أبو حميد يكتب للوقت الآخر، للذين يستعدون لاستقبال الأسير كريم يونس بعد 40 عاما قضاها في السجن، سيفتش كريم عمن حرره من بين الجموع الغفيرة، سيبكي كثيرا على قبر والدته وعلينا، يستأصل نفسه من نفسه وحيدا في حياته القادمة.
الأسير ناصر أبو حميد يكتب للوقت الآخر، هذه ليست وصية، انها رؤيا، ان لا تكون النفوس اصفارا او جثثا، القتل والسجن والحرمان وزرع امراض العجز والاستسلام قاعدة وليس استثناء في نظام القمع والاستبداد، لا تطلب الشفقة من حارس الغروب، لا تمتدح العبودية، كن كبيرا في موتك كي يكون موتك أخضر وحياتك دائمة.
 

» اقرأ ايضاً

الوطن الأن
مقالات
الاكثر قراءة
شهداء الوطن
أسرى الوطن
ذاكرة الوطن
أكاديمية الوطن
مجلة الوطن